لقاح الجدري (1796)
لم يكن اختراع لقاح الجدري مجرد إنجاز طبي؛ بل كان تحولًا هائلًا أنقذ ملايين الأرواح، وحسّن حياة الملايين الآخرين، وساهم في دفع الطب نحو عصر جديد، حيث أصبحت السيطرة على الأمراض ممكنة.
على الرغم من أن هذا الابتكار جاء في وقت لم يكن فيه الفهم الكامل للعدوى والجراثيم قد تطور بعد، إلا أن عمل جينر أثبت أن الأمراض ليست خارج نطاق قدرة البشر على العلاج والوقاية. لقد ساعد في ترسيخ ثقة متزايدة لدى أسلافنا بأن العالم لم يكن مجرد آلة غامضة تعمل وفق خطة غير مفهومة.
وبنفس الطريقة التي يمكن بها التحكم في الطاقة والتلاعب بها—كما أثبتت التطورات في قوة البخار—أصبح من الواضح أن الصحة والرفاهية يمكن أيضًا إخضاعهما للتحقيق العلمي والتدخل المستهدف. يقدم لنا لقاح الجدري مثالًا على نظام لمعالجة المواد، حيث يتم التعامل مع المواد وإحداث تأثيرات على نطاق مجهري
طور جينر لقاح الجدري بناءً على ملاحظته أن الأشخاص الذين أصيبوا سابقًا بجدري البقر—وهو مرض مشابه ولكنه أخف بكثير—لم يصابوا بالجدري. كانت هذه الملاحظة معتقدًا شائعًا بين المزارعين والعاملين مع الأبقار، مثل الحلابات، لكنها لم تكن تستند إلى أي أساس علمي رسمي في ذلك الوقت.
لم يكن جينر أول من ابتكر المفهوم العام لحماية الأفراد عمدًا من الجدري بوسائل صناعية. فقد كان هناك أسلوب أقل تطورًا يُعرف باسم التلقيح أو التجدير (Variolation)، وقد تمت ممارسته في عدد من الثقافات منذ القرن العاشر على الأقل، كما في الصين. تضمنت هذه العملية أحيانًا طحن قشور الجدري من شخص مصاب ونفخ المسحوق في أنف المريض! عادةً ما يؤدي ذلك إلى إصابة المريض بنوع خفيف من الجدري، مما يمنحه مناعة ضد العدوى المستقبلية.
جاء الاختراق العلمي لجينر عندما أثبت العلاقة بين جدري البقر والجدري، وطور عملية لتلقيح المرضى بجدري البقر، مما منحهم مناعة ضد الجدري دون الحاجة إلى تعريضهم له مباشرة. وبذلك، قام بتنظيم المعرفة التقليدية وتحويلها إلى عملية تطعيم آمنة وبسيطة.
اعتمدت طريقة جينر على نقل القيح من تقرحات جدري البقر من شخص مصاب إلى جرح صغير في جلد شخص آخر. ومع التحسينات الحديثة في إنتاج اللقاحات وتخزينها وتطبيقها، أثبتت هذه الطريقة فعاليتها الكبيرة، مما أدى إلى إطلاق حملة عالمية بين عامي 1967 و1979، وتم الإعلان رسميًا عن القضاء على الجدري بحلول عام 1980. لذلك، فإن القرّاء المولودين بعد هذا العام لا يمتلكون الندبة المميزة على أذرعهم التي يعرفها من تلقوا التطعيم في العقود السابقة.
ومن الحقائق المثيرة للاهتمام أن الولايات المتحدة وروسيا تحتفظان بمخزون من لقاح الجدري، رغم إعلانه مرضًا منقرضًا. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان اللقاح يمنح مناعة دائمة، كما أن هناك دائمًا احتمالية حدوث تفشٍ مستقبلي، سواء طبيعيًا أو كنتيجة لهجوم بيولوجي إرهابي.
Homo Problematis Solvendis–Problem-solving Man: A History of Human Creativity - David H. Cropley

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire